عبد الوهاب الشعراني

39

الجوهر المصون والسر المرقوم

والنحو والمعاني والبيان وأما مادة هذه العلوم التي ذكرنا فلا يعرف مادتها لأن مادتها إنما هو الكشف لا الفهم كما تقدمت الإشارة إليه ولو أنه كان طريق الوصول إليها الفهم لكن الأحق باستخراج هذه العلوم أهل المعاني والبيان ولا نرى في كلام أحد منهم علما واحدا مما نذكره في هذا الكتاب وها هي كتبهم كلها بين يديك وإنما ذكرت بعض مسائل من بعض العلوم تسكينا للقلوب الضعيفة التي لم تعرف أسماء تلك العلوم فضلا عن الخوض فيها وربما ظنت أن هذه العلوم اسما على غير مسمى أو أن كل علم مسألة واحدة كما سمعته من بعضهم وقد سألت سيدي عليا الخواص رحمه اللّه تعالى هل يصح التقرب إلى اللّه تعالى بالجهل فقال لا فقلت له فما تقولون رضى اللّه تعالى عنكم في قول الحق تعالى للإمام أحمد بن حنبل « 1 » . رضى اللّه عنه في منامه في جواب قوله يا رب بم يتقرب إليك المتقربون ؟ . . قال يا أحمد بكلامي فقال يا رب بفهم أو بغير فهم فقال يا أحمد بفهم وبغير فهم انتهى ، فإن قوله تعالى وبغير فهم ظاهره أن الجهل يتقرب به إليه تعالى لأن عدم الفهم هو الجهل بعينه فقال الشيخ رضى اللّه عنه ليس مراد الحق تعالى بقوله وبغير فهم ما يتبادر إلى الأذهان وإنما مراده به ما يصل إلى قلوب العارفين من علوم معاني القرآن العظيم في طريق الكشف حال نطقهم بالقرآن فإنه يتقرب به إلى اللّه تعالى وإن كانت معانيه لم تصل إليهم من طريق الفهم فهذا هو المراد بقوله وبغير فهم والمعنى أنه يتقرب إلى اللّه تعالى بتلاوة القرآن كلامه سواء وصلت إليهم معانيه من طريق الفهم أو من طريق الكشف انتهى وهو كلام نفيس وذكر سيدي على المرصفي في معنى ذلك نحوه فقال مراد الحق تعالى بقوله بفهم طريق علماء الظاهر وبقوله وبغير فهم علماء الباطن من أهل الكشف انتهى فلقد فاز واللّه أهل اللّه بالعلوم اللدنية فعليك يا اخى باقتفاء آثارهم ولا تقنع بالعلوم من غير ذوق لها فإني واللّه ناصح للإخوان ما أنا متعنت كما إني لم أقصد بتأليفه الافتخار على أهل عصري كما أنى لم اقصد به

--> ( 1 ) أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي ولد سنة 164 هجرية وتوفى سنة 241 هجرية له من التصانيف المسند من أعظم دواوين السنة وكتاب الإيمان والرد على الجهمية والزهد والأشربة . . سير أعلام النبلاء 11 / 177 ، هدية العارفين 5 / 48 .